أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
545
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بالإتيان منه » يعني أنّ المفعول الثاني حذف للدلالة عليه . وكرّر قوله « يحب » دلالة على اختلاف المقتضي للمحبّة فتختلف المحبّة . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 223 إلى 224 ] نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 223 ) وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 224 ) قوله تعالى : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ : مبتدأ وخبر . ولا بدّ من تأويل ليصحّ الإخبار عن الجثة بالمصدر . فقيل : على المبالغة ، جعلوا نفس الفعل . وقيل : أراد بالمصدر اسم المفعول . وقيل : على حذف مضاف من الأول ، أي : وطء نسائكم حرث أي : كحرث ، وقيل : من الثاني أي : نساؤكم ذوات حرث . و « لكم » في موضع رفع لأنه صفة لحرث ، فيتعلّق بمحذوف . وإنما أفرد الخبر والمبتدأ جمع لأنه مصدر والأفصح فيه الإفراد والتذكير حينئذ . قوله : أَنَّى شِئْتُمْ « أنّى » ظرف مكان ، ويستعمل شرطا واستفهاما بمعنى « متى » ، فيكون ظرف زمان ويكون بمعنى كيف ، وبمعنى من أين ، وقد فسّرت الآية الكريمة بكلّ من هذه الوجوه . وقال النحويون : « أنّى » لتعميم الأحوال . وقال بعضهم : « إنما تجيء سؤالا وإخبارا عن أمر له جهات ، فهي على هذا أعمّ من « كيف » ومن « أين » ومن « متى » . وقالوا : إذا كانت شرطية فهي ظرف مكان فقط . واعلم أنها مبنية لتضمّنها : إمّا معنى حرف الشرط أو الاستفهام ، وهي لازمة النصب على الظرفية ، والعامل فيها هنا قالوا : الفعل قبلها وهو : « فأتوا » . قال الشيخ « 1 » : « وهذا لا يصحّ ، لأنّها : إمّا شرطية أو استفهامية ، لا جائز أن تكون شرطية لوجهين : أحدهما : من جهة المعنى وهو أنّها إذا كانت شرطا كانت ظرف مكان كما تقدّم ، وحينئذ يقتضي الكلام الإباحة في غير القبل وقد ثبت تحريم ذلك . والثاني : من جهة الصناعة . وهو أنّ اسم الشرط لا يعمل فيه ما قبله ، لأنّ له صدر الكلام ، بل يعمل فيه فعل الشرط ، كما أنه عامل في فعل الشرط الجزم . ولا جائز أن تكون استفهاما ؛ لأنّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله لأنّ له صدر الكلام ، ولأنّ « أنّى » إذا كانت استفهامية اكتفت بما بعدها من فعل واسم نحو : أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ « 2 » أَنَّى لَكِ هذا « 3 » ؟ وهذه في هذه الآية مفتقرة لما قبلها كما ترى ، وهذا موضع مشكل يحتاج إلى تأمّل ونظر . ثم الذي يظهر أنها هنا شرطية ويكون قد حذف جوابها : لدلالة ما قبله عليه ، تقديره : أنّى شئتم فأتوه ، ويكون قد جعلت الأحوال فيها جعل الظروف ، وأجريت مجراها تشبيها للحال بظرف المكان ولذلك تقدّر ب « في » ، كما أجريت « كيف » الاستفهامية مجرى الشرط في قوله : يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ « 4 » وقالوا : كيف تصنع أصنع ، فالمعنى هنا ليس استفهاما بل شرطا ، فيكون ثمّ حذف في قوله : « ينفق كيف يشاء » أي : كيف يشاء ينفق ، وهكذا كلّ موضع
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 171 ) . ( 2 ) سورة الأنعام ، آية ( 101 ) . ( 3 ) سورة آل عمران ، آية ( 37 ) . ( 4 ) سورة المائدة ، آية ( 64 ) .